(كأني أكلت) التركي .
كم يفخر الانسان بنفسه حين تتصدر نوايا اعماله التقوى والايمان والزهد وافعال الخير الخالصة لوجه الله تعالى، بعيدا عن الجاه والوجاهة، والتفاخر امام الناس بما يملك وبما لديه من قصور وسيارات فارهة وحسابات بنكية، وكلها زائلة لا محالة ولا يبقى الا العمل الطيب الخيّر.
والانسان الخيّر يفعل المستحيل من اجل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، من اجل العمل الصالح، هذا ما ينطبق على شخص تركي بنى جامعا بسيطا من بركة ايمانه، جامع حمل اسما غريبا، ارتبط بقصة فيها الكثير من العبر، اسم الجامع ( كأني اكلت )، فما قصة هذا الاسم ؟
( كأني اكلت ) هو اسم لجامع صغير يقع في منطقة (فاتح) في العاصمة التركية اسطنبول واسم الجامع باللغة التركية هو (صانكي يدم) أي (كأنني أكلت).
ووراء هذا الاسم الغريب قصــة وفيها عبرة كبيرة ففي كتاب لمؤلفه اورخان محمد علي نقل فيه روائع من التاريخ العثماني يروي في سياق مؤلفه هذا قصة هذا الجامع فيقول ان شخصا ورعا كان يعيش في منطقة ( فاتح ) اسمه خير الدين أفندي، كان صاحبنا هذا عندما يمشي في السوق، وتتوق نفسه لشراء فاكهة، أو لحم، أو حلوى، يقول في نفسه : صانكي يدم.. يعني كأنني أكلت أو افترض أنني أكلت !
ثم يضع ثمن ذلك الطعـام في صندوق له، ومضت الأشهر والسنوات، وهو يكف نفسه عن لذائذ الأكل، ويكتفي بما يقيم أوده فقط، وكانت النقود تزداد في صندوقه شيئا فشيئا، حتى استطاع بهذا المبلغ القيام ببناء مسجد صغير في محلته، ولما كان اهل المحلة يعرفون قصة هذا الشخص الوَرِع الفقيــــر، وكيف استطاع أن يبني هذا المسجد، أطلقوا على الجامع اسم جامع : صانكي يدم / كأنني أكلت
هذا المسجد هو بسيط للغاية مكون من أربعة جدران ومأذنتين، و مع ذلك لم يترك المسلمون الصلاة فيه، هذا المسجد الصغير ذو الحشائش الخضراء اكتظ بهم لدرجة أن بعضهم يصلي بمحيطه وعلى جنباته ويمتد عدد المصلين الى خارجه بشكل ملفت.
ان هذا الشخص الصادق الذي اقنع نفسه انه اكل حتى يبني مسجدا هو من اهم الامثلة على الزهد وتفضيل الايمان والتقوى على شهوات الحياة ومنها الاكل والشرب، ومنه نعتبر، في بعدنا عن الكماليات، حتى يطرح الله سبحانه وتعالى لنا فيها البركة.
ليت من يراكمون المال ولا يتصدقون به يتعلمون من هذا الانسان المتواضع الذي رفع ذكره في التاريخ ليس حبا في الشهرة، وانما امعانا في التقوى والصلاح.
البعض الان يمرون من امام مطعم تفوح منه رائحة الشواء.. يشتمه ويقول « كاني اكلت « فهو لا يملك مالا للاكل حتى، من يتصدق على هؤلاء، ومن يسكت جوعهم، وخبر سرقة شخص لـ 24 دينارا ليطعم ابناءه خير شاهد على سوء اوضاع الناس وعجزها، وعلى تصدق الاغنياء باموالهم للفقراء !!